منذ فترة والفريق الشباطيّ وفي مقدّمه تيار "المستقبل" يمارس سياسة تقوم على أمرين بالغَي الخطورة:
ـ تصعيد الشحن المذهبي والطائفي واستخدام "السلاح المحرّم" في هذا المكان.
ـ إهدار الوقت والعمل على "استنزاف" كلّ مرحلة من المراحل المفروض تنفيذها بموجب اتّفاق الدوحة الذي رسم عملياً خريطة طريق لمرحلة تقطع مع مرحلة الأعوام الثلاثة الماضية، وتفتح الأفق لحقبة تأسيسية في تاريخ البلاد.
واللافت أنّ اتباع هذين الأمرين من قبل الفريق الشباطيّ يصل في بعض الأحيان إلى دفع الأمور نحو حافّة التفجير الأمني، والاستفزاز السياسي والمضيّ قدماً في سياسة تمزيق "النسيج" الوطني وابقاء البلاد على صفيح ساخن.
حيال ذلك ثمّة سؤال يفرض نفسه بإلحاح هو لماذا "يثابر" تيار المستقبل على وجه التحديد في هذا السياق المنطوي على مخاطر ومحرّمات ولهجة غريبة على الأسماع في أحيان كثيرة.
ثمّة إجابات متعدّدة، ولكن ثمّة من يختصرها بالآتي:
ـ إن الفريق الشباطي يعمل لإظهار أنّه ما زال صاحب قدرة على التوازن مع الطرف الآخر، وأنّه لم يتلق ضربة قاسية فرضت تغيير مسار الأمور كلية، وإنهاء حكم التفرّد بالبلاد.
ـ إنّ لديه مقدرة على تعطيل مسارات التسوية التي نصّ اتفاق الدوحة على خطوطها العريضة ومحطّاتها الأساسية، بدءاً من انتخاب رئيس للجمهورية وصولاً إلى اقرار قانون التقسيمات الانتخابية.
ـ يجد تيار "المستقبل" خصوصاً والفريق الشباطي عموماً نفسه أمام مهمّة أساسية وهي إبقاء الاستنفار قائماً في جمهوره، و"تعييش" هذا الجمهور على أساس أنّه "ضحية" وأنّه مستهدف لأنّ ذلك يحقّق له أمرين في آن معاً، يحول أولاً دون سنوح فرصة لمساءلة هذا الفريق عمّا اقترفه بحقّ الوطن وبحقّ من يمثّل من خلال سياسته الخاطئة طوال المرحلة الماضية، ولكن يشدّ ثانياً من "عصبية" هذا الجمهور ليبقيه متماسكاً من الآن وحتّى موعد الانتخابات النيابية بعد نحو ثمانية أشهر، وهي الانتخابات التي تظهر كل الاحصاءات أنّ نتائجها ستكون لمصلحة قوى المعارضة.
ـ أن يغطي الفريق الشباطي مشاكل تعصف بمكوّناته، ويتمثّل رأس الجليد فيها باعتراف النائب وليد جنبلاط عن كثير من ممارساته وأدائه في الآونة الأخيرة، وأن يرجئ انفجار التناقضات الحتمي في داخله.
ولا ريب أنّ تصعيد تيار "المستقبل" يستجيب لإملاءات خارجية وبالتحديد سعودية، تريد أن تعبر ضمناً عن رفضها لمترتّبات أحداث أيّار ومن ثم اتّفاق الدوحة، وهو ما تعتبره هزيمة نكراء حلّت بها وبمخطّطاتها في لبنان.
وبالطبع ثمّة من في المعارضة من يدرك تمام الإدراك أنّ هذا التصعيد الذي دأب تيار "المستقبل" على المضي قدماً به يدفع بلا ريب إلى ثلاثة نتائج أساسية وهي:
1 ـ تمهيد الأجواء ومراكمة المعطيات للانقلاب على كل ما ارتسم على أرض الواقع السياسي في اتفاق الدوحة وما بعده، وبالتالي فرض معطيات جديدة كلّ الجدة.
2 ـ الدفع بالتناقضات نحو الانفجار الأمني الواسع النطاق، لفرض واقع جديد أيضاً.
3 ـ الرغبة بتحسين الشروط والأوراق لفرض صفقات ومعادلات مع الفريق الآخر من فوق الطاولة أو تحتها لا فرق لكي يبعد الفريق الشباطي عن نفسه تجرّع هزيمة انتخابية آتية، ولا ريب إذا ما جرت الانتخابات النيابية، أو على الأقل تخفّف الخسائر التي يمكن أن تمنى بها صناديق الاقتراع.
والواضح أنّ الأمر الثالث هو ما يطلق عليه في القاموس السياسي عملية استجداء أو استدراج التنازلات.
وإذا كان صار جلياً أن ليس في المدى المرئي معطيات ومؤشّرات تدلّ على أنّ بمقدور الفريق الشباطي لي عنق الواقع المستجد بعد اتفاق الدوحة، والحيلولة دون بلوغ المحطّات الأساسية التي نصّ عليها هذا الاتفاق، بدليل ما جرى بدءاً من انتخاب رئيس الجمهورية إلى عملية تأليف الحكومة، والبيان الوزاري.
وإذا كان صار حاسماً أن ليس في الأفق المرئي أيّة دلائل على إمكان حدوث تغييرات وتحوّلات في الواقع الإقليمي يسمح للفريق الشباطي بإعادة عجلة الأمور إلى الوراء وبالتحديد إلى ما قبل 17 أيّار الماضي.
فإنّ الواضح أنّ هذا الفريق يريد تقطيع الوقت، وإدخال الأمور في عنق الزجاجة بين الفينة والأخرى، والتهويل بالفتن المتنقّلة، والحديث المتكرّر حيناً بعد حين عن استحالة إجراء الانتخابات النيابية بوجود سلاح المقاومة، إنّما هدفه الأساس غير المرئي هو إجبار الفريق المعارض على الدخول في "بازار" التفاوض على تسوية معيّنة تعطي لفريق الموالاة "حصّة مضمونة" في الانتخابات المقبلة.
وبمعنى أكثر وضوحاً فإنّ تيار "المستقبل" سيعتمد ضمناً على تهديد الفريق الآخر بإغراقه في لجّة الفتنة على أشكالها، ومحاصرته بجملة مشاكل، أو الدخول معه في تسوية يدرك أنّها لن تكون على غرار "التحالف الرباعي" في انتخابات عام 2005، ولكن شيئاً قريباً منه.
وفي هذا السياق لم يعد سرّاً أنّ "حزب الله" تلقّى في الآونة الأخيرة وعبر أكثر من قناة، عروضات عدّة من تيار "المستقبل" تتّصل بهذا الأمر.
وإذا كان معروفاً أنّ الحزب انتهج في مرحلة ما بعد اتفاق الدوحة مباشرة سياسة اليد الممدودة للفريق الآخر بغية طيّ صفحة وفتح صفحة أخرى عنوانها إخراج البلاد من دائرة التوتّر والمخاطر، فإنّه من المعلوم أيضاً أنّ تيار "المستقبل" هو من رفض هذه اليد الممدودة، ورسم بشدّة خطّ اعتراض على كل المحاولات التي بذلتها المعارضة عموماً و"حزب الله" خصوصاً للانفتاح على جمهور وقوى كانت حتّى الأمس القريب في المقلب الآخر سياسياً.
ولئن ما زال الحزب على موقفه الرافض لإعادة "بعث الروح" في تجربة مماثلة لتجربة "التحالف الرباعي" ولا يتجاوب إطلاقاً مع العروض الرامية إلى صفقات خفية، فإنّه ما برح يؤكّد على التهدئة وعلى الرغبة في إعادة الاعتبار للعبة الديموقراطية.
وفي كلّ الحالات تقيم المعارضة على أمر أساسي وهو أنّ الفريق الآخر سيبقي الأمور على وتيرتها الحالية من التوتّر وإبقاء الكباش مستمراً، ولكن هل هذا من شأنه أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، إنّه الاستحالة بعينها.
كتبها كارل كوسا في 03:28 مساءً ::
