مطبّات فكريّة

الأربعاء,آب 27, 2008



للمرّة الأولى منذ حصول الجريمة على يد النظام الليبي قبل ثلاثين عاماً
علي الموسوي - 27/08/2008م - 1:20 م |

OpenWin('index.php?show=news&action=comments&aid=26656', '410','440')">"
الإمام المغيّب

تأتي الذكرى السنوية الثلاثون لإخفاء الإمام السيّد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمّد يعقوب والصحافي عبّاس بدر الدين، هذه السنة

على غير سابقاتها من السنوات المحمّلة بالمرارة والأسى على هذا الإخفاء المقصود لشخصية قيادية فذّة لطالما عملت على بعث الروح والنهضة في جسد أمّتها ووطنها المترهّل من جهة، وعلى الإهمال المتعمّد من قبل الدولة اللبنانية في متابعة هذه القضية الوطنية الجامعة، وعلى التلكّؤ القضائي في القيام بواجبه وبما يفرضه عليه القانون لجهة الاهتمام بمواطن لبناني عادي، فكيف إذا كان بوزن السيّد الصدر وفكره النيّر، من جهة أخرى؟.
فمنذ أن استلم القاضي سميح الحاج، دفّة التحقيق لإماطة اللثام عن ملابسات هذه القضيّة الشائكة، حتّى تغيّر التعاطي القضائي معها من سلبي إلى إيجابي، وذلك بعدما أمّنت له مطالبة أبناء الطائفة الشيعية ولا سيّما مرجعياتها السياسية، وفي مقدّمهم الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، الغطاء السياسي الكافي والكامل لبذل أقصى الجهود الممكنة في كشف مصير هذا الملفّ، وإنزاله عن رفّ النسيان كما يفرض الحدّ الأدنى من الواجب الإنساني.
جريمة واضحة المعالم
فخلال الأعوام المنصرمة، اكتفت الدولة اللبنانية بإحالة هذه القضية على المجلس العدلي، وهو أعلى هيئة قضائية في لبنان تنظر في الجرائم الكبرى، بسبب جسامة الجرم الذي اقترفه النظام الليبي في الحادي والثلاثين من شهر آب/ أغسطس من العام 1978، من دون أن تتحرّك بشكل فعّال وكبير وجدّي، على الصعيد الدولي لإثارة هذه القضيّة وخطورتها، على غرار ما فعلت في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير من العام 2005، مع الفارق الكبير بينهما من الناحية العملية من حيث وضوح المعالم، وتوافر المعلومات عن الجهة القائمة بجريمة الخطف وثبوت ضلوعها، وهي ليبيا التي وصلها الإمام الصدر بناء على موعد مسبق للقاء كبار مسؤوليها، وشاهده فيها سياسيون لبنانيون كانوا مقرّبين من النظام الليبي، التقوا به في ردهة الفندق وهو يتّجه للصعود في سيّارة التشريفات الرئاسية التي حضرت خصوصاً لنقله والوفد المرافق له.
ومن المعروف أنّ المجلس العدلي يتلقّف الدعاوى الخطيرة التي تشكلّ اعتداء على أمن الدولة الداخلي والخارجي وفق مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، ولكنّ إجراءات التحقيق لدى المحقّق العدلي، وإجراءات المحاكمة لدى المجلس العدلي بطيئة إلى حدّ نسيان الملف، ما لم توقظه مطالبة سياسية ما، من سباته العميق، والدليل وجود دعاوى كثيرة مهملة ومنها قضية الصدر ورفيقيه التي مرّ عليها ثلاثون عاماً.
مذكّرات توقيف
وتناوب على ملفّ التحقيق بإخفاء الصدر على التوالي، القاضيان طربيه رحمة من بلدة بشرّي الشمالية، وسهيل عبد الصمد من بلدة عمّاطور الشوفية، وتنحّيا عنه لأسباب خاصّة مختلفة في العامين 2004 و2006، إلى أنْ أعطي لقاضي التحقيق العسكري سميح الحاج ابن بلدة الوردانية الشوفية في العام 2006  وزوج ابنة أحد رفاق الإمام الصدر، محمّد رضا الحاج "أبو رضا"، واستطاع أن يصدر في 23 نيسان/أبريل من العام 2008، مذكّرات توقيف، ولو بصورة غيابية بحقّ المتورّطين في هذه الجريمة، وهم مسؤولون ليبيون يتقدّمهم معمّر القذّافي نفسه، وسفير موريتانيا في ليبيا آنذاك محمّد ولد الدادا، وذلك بعدما تعذّر إبلاغهم بحسب الأصول القانونية، موعد جلسة استجوابهم لدى القاضي الحاج في مكتبه في الطابق الأرضي من المحكمة العسكرية في محلّة المتحف في بيروت حيث طلب من السفارة الليبية إبلاغ المدّعى عليهم بهذه الجلسة بناء على كتاب رسمي صادر عن القاضي الحاج ومرسل بالطرق القانونية المعتمدة في مثل هذه الحالة، ولكنّ السفارة أهملت الكتاب بطبيعة الحال، وادّعت بأنّه تعذّر عليها إبلاغ المدّعى عليهم، من دون أن توضّح الأسباب.
 وإزاء هذا الأمر، اضطرّ القاضي الحاج إلى اتباع التدابير التي ينصّ عليها قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبنانية ومنها إبلاغ هؤلاء، لصقاً على باب مبنى المحكمة العسكرية وهذا ما حصل بالفعل.
التلاعب بجواز سفر الصدر
وسبق للسلطات الإيطالية التي تزعم ليبيا بأنّ الإمام الصدر ورفيقيه انتقلا إليها فور مغادرتهم أراضيها، أن زوّدت القضاء اللبناني في العام 2004 بجواز السفر الخاصّ بالسيّد الصدر بعدما وضعت يدها عليه خلال محاكمة بجرم سرقة، ولا تخفى هنا أساليب الاستخبارات في نقل هذا الجواز من ليبيا إلى إيطاليا للتمويه وتضييع بوصلة الحقيقة، وخصوصاً أنّه قرينة مهمّة في مجريات التحقيق.
وقد ألّف القاضي الحاج لجنة من الخبراء للتحقّق من ماهية هذا الجواز والتدقيق فيه لمعرفة ما إذا كان مزوّراً أم أنّه حقيقي، واستطاع هؤلاء أن يتوصّلوا إلى الجزم بأنّه جرى تلاعب في محتوى جواز السفر لجهة تاريخ خروج الإمام الصدر من العاصمة الليبية طرابلس الغرب إلى العاصمة الإيطالية روما.
أسماء المتّهمين
وبعد توافر الأدلّة والقرائن بفعل التحقيق الجدّي، اقتنع القاضي الحاج بضرورة اتهام كلّ من الرئيس الليبي معمّر القذّافي، وأحمد محمّد الحطّاب، وعبد الرحمن محمّد غويلة، والمرغني مسعود التومي، وعيسى مسعود عبد الله المنصوري زوارة، والهادي إبراهيم مصطفى السعداوي، ومحمّد خليفة سحيون العزيزية، بجرم إخفاء الصدر ورفيقيه، والعمل في ما بينهم على تغطية هذه الجريمة والتمادي فيها، وتزوير مستندات رسمية، واستعمال مزوّر، وانتحال صفة وتقديم شهادات كاذبة.
وأصدر القاضي الحاج مذكّرات إلقاء قبض بحقّ هؤلاء السبعة وأحالهم على المحاكمة أمام المجلس العدلي.
كما أصدر مذكرات تحرّ دائم توصّلاً لمعرفة كامل هوية كلّ من المدّعى عليهم الآخرين وهم: وزير الخارجية الليبي في العام 1978 عاشور الفرطاس، ووكيل أمانة الخارجية الليبية في العام نفسه أحمد الأطرش، ورئيس مكتب الاتّصالات الخارجي في الأمانة العامّة لمؤتمر الشعب في العام 1978 أحمد الشحاتي، والضابط برتبة مقدّم في شرطة المباحث الليبية محمّد علي الرحيبي، والقائم بأعمال السفارة الليبية في بيروت في العام 1978 محمود محمّد بن كورة، ووكيل الخارجية والأمم المتّحدة لغاية شهر آب/أغسطس من العام 2004 علي عبد السلام التريكي، ووكيل أمانة الخارجية الليبية عيسى البعباع، وعبد السلام جلود، وإبراهيم خليفة جندور، وأحمد صالح مسعود ترهونة، وسفير موريتانيا في ليبيا في العام المذكور محمّد ولد الدادا.
ومن المتوقّع أن يصدر القاضي الحاج قراره الاتّهامي في غضون اليومين المقبلين وقبل الاحتفال المنتظر يوم الأحد المقبل في مدينة النبطية.
هذا وكشفت وكالة رويترز "اليوم الأربعاء" أنّ وثائق المحكمة التي أقرّها قاضي التحقيق سميح الحاج في وقت متأخّر من مساء يوم الثلاثاء "نقرّر... اتّهام المدّعى عليه معمّر القذّافي... بمقتضى المادّة 569-218 من قانون العقوبات اللبناني لجهة التحريض على خطف وحجز حرّية... سماحة الإمام السيّد موسى الصدر."
وتصل عقوبة هذه الاتّهامات بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب اللبناني إلى الإعدام.


- جريدة الانتقاد الالكترونية .
<!-- End Article -->