نقلا عن صحيفة "الأخبار" اللبنانية
أميركا ترعى الانفصال وتنافس الصين على الثروات
نجحت جماعات الضغط الأميركيّة المؤيدة للجنوب في فرض أجندتها تجاه السودان على الإدارات الأميركية المتعاقبة، ودفعتها إلى تبني سياسات متشددة تجاه الخرطوم أسهمت في التوصل إلى اتفاقية السلام الشامل. ومع اقتراب الانفصال، تستعد اللوبيات الاقتصادية لاستعادة دورها المهمش خلال الفترة السابقة، والعمل على الاستفادة من الثروات الجنوبية المتعددة، بعدما استغلها التنين الصيني لسنوات
شهدت العلاقات السودانية الأميركية تقلبات عديدة، غلب عليها التوتر منذ منتصف عقد الثمانينيات، إلا أن الثابت الوحيد في مسار هذه العلاقة كان الدور الأميركي، ومن خلفها جماعات الضغط المؤيدة للجنوبيين، في رعاية التوصل إلى اتفاقات السلام بين الحكومات السودانية والحركات المتمردة.
والدور الأميركي في تسوية الصراع في جنوب السودان بدأ منذ عام 1972، عندما نجحت واشنطن، بدفع من مجلس الكنائس العالمي، في التوصل إلى اتفاقية اديس ابابا بين نظام جعفر النميري وحركة «انانيا»، قبل أن يتكرر السيناريو نفسه من خلال الرعاية الأميركية لاتفاقية السلام الشامل في عام 2005 بضغط من اللوبيات الداعمة للحركة الشعبية لتحرير السودان.
دعم ما كان ليتحقق لولا نجاح الحركة الشعبية لتحرير السودان، منذ إعلان تمردها في عام 1983، في استغلال العامل الديني في حربها ضد حكومات الشمال، وتصوير الصراع على أنه صراع بين المسلمين والمسيحيين من جهة، وبين العرب والأفارقة من جهة ثانية.
ومنذ بداية التسعينيات، نشطت مجموعات يمينية أميركية، تتصدرها حالياً «جويش وورلد سيرفس» التي تضم منظمات «سيف دارفور» و«ايناف» و«هيومانتي يونايتد» و«جينوسايد انترفنشن»، إلى جانب مجلس الكنائس العالمي وعدد من مراكز الأبحاث، لمصلحة دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وضغطت هذه المجوعات على الإدارات الأميركية المتعاقبة لإجبارها على تبني سياسات متشددة تجاه نظام الرئيس السوداني عمر البشير، والدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب الدائرة في الجنوب.
وأثبتت هذه المنظمات، خلال العقدين الأخيرين، قوة تأثيرها وخطورته. وبعدما نجحت في التغلب على دور اللوبيات الاقتصادية، التي كانت تسعى إلى تشجيع مبدأ الحوار مع نظام البشير للاستفادة من الاكتشافات النفطية الجديدة في السودان، أقنعت الكونغرس الأميركي في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون بضرورة ضم السودان إلى لائحة الدول الراعية للإرهاب، مستغلة استضافة النظام السوداني لزعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، وعدد من القادة الفلسطينيين المناهضين للأميركيين. كما وقفت وراء تبني الكونغرس الأميركي عقوبات اقتصادية على السودان في عام 1996، قبل أن تدفع، مجدداً، باتجاه تشديدها وصولاً إلى حد فرض حظر الأسلحة على السودان بعد اتهام الحكومة السودانية بالتطهير العرقي في الجنوب.
إلا أن هذا التشدد لم يمنع المنظمات من تشجيع الإدارة الأميركية على مواصلة مساعيها الهادفة إلى تسوية الصراع، من خلال تقديم مبادرات لجمع الحكومة السودانية والحركة الشعبية في مفاوضات مباشرة. ومع وصول جورج بوش الابن إلى الرئاسة، مارست اللوبيات المؤيدة لجنوب السودان الدور نفسه، لكن بثقل أكبر. وقد أدى القس جون دانفورث، الذي عيّنه بوش في عام 2001 مبعوثاً خاصاً للسودان، دوراً رئيسياً في التوصل إلى اتفاقية السلام، بعدما أمنت له اللوبيات وسيلة إضافية للضغط على الخرطوم من خلال نجاحها في إقناع الكونغرس الأميركي بإقرار قانون سلام السودان أواخر عام 2002 بعد سنوات من التأجيل.
وبالتزامن مع إقرار المشروع، انطلقت جولات من المفاوضات الجادة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، أفضت في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاقية نيفاشا برعاية أميركية. وفي ظل إدراك واشنطن أن انفصال الجنوب واقع لا محالة، تركزت الجهود الأميركية بعد توقيع اتفاقية السلام على تقديم المساعدات المالية لحكومة جنوب السودان، لتمكينها من إرساء البنية التحتية الضرورية لصمودها كدولة مستقلة بعد انتهاء الفترة الانتقالية المنصوص عليها في اتفاقية السلام.
وتولت المنظمات الداعمة لجنوب السودان، بتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية، إدارة مشاريع تنموية متعددة في الجنوب، فيما استبقت اللوبيات انتخاب رئيس أميركي جديد في عام 2008، بإجبار المتنافسين: الجمهوري جون ماكين والديموقراطي باراك أوباما على إجراء مناظرة خُصصت في جزء منها للحديث عن سياستهما تجاه السودان.
وحاول أوباما، خلال المناظرة، استمالة هذه المنظمات بتبنيه خطاباً متشدداً، تعهد فيه بعدم التسامح مع الخرطوم. إلا أنه بعد وصوله إلى البيت الأبيض، اكتشف عدم نجاعة هذه السياسة إذا أراد ضمان الحصول على مساعدة الحكومة السودانية للمضيّ باتجاه إنجاز استحقاق اتفاق السلام وحل مشكلة دارفور، التي تمثل الشق الثاني من اهتمامات جماعات الضغط الأميركية واليهودية الناشطة تجاه السودان.
وعندما حاول أوباما اعتماد نهج أقل تشدداً تجاه الخرطوم، اصطدم بنفوذ جماعات الضغط وارتباطاتها الوثيقة بمسؤولين في الإدارة الأميركية، ما انعكس انقسامات حادة داخل فريق عمله المعني بالملف السوداني، ودفعه إلى اعتماد حل وسطي قائم على سياسة العصا والجزرة.
سياسة جديدة لم تعجب الحركة الشعبية لتحري

























.jpg)
















